القرطبي
146
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
الرد على الملحدة قلت : وهنا فصول ستة في الردّ على الملحدة : الفصل الأول تأمل يا أخي وفقني اللّه وإياك هذا الحديث وما قبله من الأحاديث ، ترشدك إلى أن الروح والنفس شيء واحد ، وأنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة ، يجذب ويخرج ، وفي أكفانه يلف ويدرج ، وبه إلى السماء يعرج ، لا يموت ولا يفنى ، وهو ممّا له أول وليس له آخر ، وهو بعينين ويدين ، وأنه ذو ريح طيب وخبيث ، وهذه صفة الأجسام لا صفة الأعراض « 1 » . وقد قال بلال في حديث الوادي : « أخذ بنفسي يا رسول اللّه الذي أخذ بنفسك » . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مقابلا له في حديث زيد بن أسلم في حديث الوادي : « يا أيها الناس إن اللّه قبض أرواحنا ولو شاء ردها إلينا في حيز غير هذا » « 2 » . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الروح إذا قبض تبعه البصر » وقال : « فذلك حين يتبع بصره نفسه » . وهذا غاية في البيان « ولا عطر بعد عروس » « 3 » . وقد اختلف الناس في الروح اختلافا كثيرا ، أصح ما قيل فيه ما ذكرناه لك ، وهو مذهب أهل السنة ، أنه جسم . فقد قال تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [ الزمر : 42 ] . قال أهل التأويل : يريد الأرواح ، وقد قال تعالى : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [ الواقعة : 83 ] يعني : النفس عند خروجها من الجسد ، وهذه صفة الجسم ، ولم يجر لها ذكر في الآية لدلالة الكلام عليها . كقول الشاعر : أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر وكل من يقول : إن الروح يموت ويفنى فهو ملحد . وكذلك من يقول : بالتناسخ ؛ أنها إذا خرجت من هذا ركبت في شيء آخر ؛ حمار أو كلب أو غير ذلك . وإنما هي محفوظة بحفظ اللّه إمّا منعمة وإما معذّبة . على ما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) انظر في ذلك كتاب « الروح » لابن القيم ص 414 وما بعدها . ط . دار ابن كثير . ( 2 ) أخرجه مالك في « الموطأ » ( 1 / 11 / 26 ) عن زيد بن أسلم مرسلا . ( 3 ) انظر في سبب ذكر هذا المثل : « مجمع الأمثال » لأبي الفضل النيسابوري ( 2 / 211 ) .